محمد جمال الدين القاسمي

440

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

تعالى في كتاب ( الروح ) : وقد أخبر سبحانه عن الشهداء بأنهم أحياء عند ربهم يرزقون ، وهذه حياة أرواحهم ، ورزقها دارّ ، وإلّا فالأبدان قد تمزقت . وقد فسّر رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم هذه الحياة : بأنّ أرواحهم « 1 » في جوف طير خضر لها قناديل معلّقة بالعرش ، تسرح من الجنة حيث شاءت ، ثم تأوي إلى تلك القناديل ، فاطلع إليهم ربّهم اطّلاعة فقال : هل تشتهون شيئا ؟ قالوا : أيّ شيء نشتهي ؟ ونحن نسرح في الجنة حيث شئنا . . . ! ففعل بهم ذلك ثلاث مرات . فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا - قالوا : يا ربّ ! نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى . . ! فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا . وصحّ عنه صلّى اللّه عليه وسلّم « إن أرواح الشهداء في طير خضر تعلّق من ثمر الجنة » « 2 » ( وتعلق بضم اللام - أي : تأكل العلقة ) وهذا صريح في أكلها ، وشربها ، وحركتها ، وانتقالها ، وكلامها . . . ! انتهى . قال الطيبيّ : قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « أرواحهم في جوف طير خضر » أي : يخلق لأرواحهم ، بعد ما فارقت أبدانهم ، هياكل تلك الهيئة ، تتعلق بها وتكون خلفا عن أبدانهم ، فيتوسلون بها إلى نيل ما يشتهون من اللذات الحسية . وقال ابن القيم في كتاب ( الروح ) : « إن الله سبحانه وتعالى جعل الدور ثلاثة : دار الدنيا ، ودار البرزخ ، ودار القرار . وجعل لكل دار أحكاما تختص بها . وركب هذا الإنسان من بدن ونفس . وجعل أحكام دار الدنيا على الأبدان ، والأرواح تبع لها ، ولهذا جعل أحكامه الشرعية مرتبة على ما يظهر من حركات اللسان والجوارح ، وإن أضمرت النفوس خلافه . وجعل أحكام البرزخ على الأرواح ، والأبدان تبع لها . فكما تبعت الأرواح الأبدان في أحكام الدنيا ، فتألمت بألمها ، والتذّت براحتها ، وكانت هي التي باشرت أسباب النعيم والعذاب - تبعت الأبدان الأرواح في نعيمها وعذابها . والأرواح حينئذ هي التي تباشر العذاب والنعيم ، فالأبدان هنا ظاهرة ، والأرواح خفية . والأبدان كالقبور لها . والأرواح هناك ظاهرة والأبدان خفية في قبورها . فتجري أحكام البرزخ على الأرواح . فترى إلى أبدانها نعيما وعذابا . كما جرى أحكام الدنيا على الأبدان فترى إلى أرواحها نعيما وعذابا . فأحط بهذا الموضع علما وأعرفه كما ينبغي ، يزل عنك

--> ( 1 ) أخرج مسلم في : الإمارة ، حديث 121 . عن مسروق قال : سألنا عبد اللّه ( هو ابن مسعود ) عن هذه الآية : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ . قال : أما إنّا قد سألنا عن ذلك . فقال . . . إلخ . ( 2 ) أخرج الترمذيّ في جامعه في : فضائل الجهاد ، 13 - باب ما جاء في ثواب الشهداء . عن ابن كعب ابن مالك عن أبيه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال . . . إلخ .